مجمع البحوث الاسلامية

695

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

فإنّ التّراب لا ينبت إلّا بالماء ، ففي النّبات الّذي هو أصل غذاء الإنسان تراب وماء ، فإن جعل التّراب أصلا والماء لجمع أجزائه المتفتّة فالأمر كذلك ، وإن جعل الأصل هو الماء والتّراب لتثبيت أجزائه الرّطبة من السّيلان فالأمر كذلك . فإن قال قائل : اللّه تعالى يعلم كلّ شيء ، فهو يعلم أنّ الأصل ما ذا هو منهما ، وإنّما الأمر عندنا مشتبه يجوز هذا وذاك . فإن كان الأصل هو التّراب فكيف قال : مِنَ الْماءِ بَشَراً الفرقان : 54 ، وان كان الماء فكيف قال : خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ وإن كاناهما أصلين فلم لم يقل : « خلقكم منهما » ؟ فنقول : فيه لطيفة ، وهي أنّ كون التّراب أصلا والماء أصلا والماء ليس لذاتيهما ، وإنّما هو بجعل اللّه تعالى ، فإن اللّه نظرا إلى قدرته كان له أن يخلق أوّل ما يخلق الإنسان ، ثمّ يفنيه ويحصل منه التّراب ، ثمّ يذوبّه ويحصل منه الماء ، لكنّ الحكمة اقتضت أن يكون النّاقص وسيلة إلى الكامل ، لا الكامل يكون وسيلة إلى النّاقص ، فخلق التّراب والماء أوّلا ، وجعلهما أصلين لمن هو أكمل منهما ، بل للّذي هو أكمل من كلّ كائن وهو الإنسان ، فإن كان كونهما أصلين ليس أمرا ذاتيّا لهما بل بجعل جاعل ، فتارة جعل الأصل التّراب وتارة الماء ، ليعلم أنّه بإرادته واختياره ، فإن شاء جعل هذا أصلا ، وإن شاء جعل ذلك أصلا ، وإن شاء جعلهما أصلين . المسألة الثّالثة : قال الحكماء : إنّ الإنسان مركّب من العناصر الأربعة ، وهي : التّراب والماء والهواء والنّار ، وقالوا : التّراب فيه لثباته ، والماء لاستمساكه ، فإنّ التّراب يتفتّت بسرعة ، والهواء لاستقلاله كالزّقّ المنفوخ يقوم بالهواء ، ولو لاه لما كان فيه استقلال ولا انتصاب . والنّار للنّضج والالتئام بين هذه الأشياء ، فهل هذا صحيح أم لا ؟ فإن كان صحيحا فكيف اعتبر الأمرين فحسب ، ولم يقل في موضع آخر : إنّه خلقكم من نار ولا من ريح ؟ فنقول : أمّا قولهم : فلا مفسدة فيه من حيث الشّرع ، فلا ننازعهم فيه إلّا إذا قالوا : بأنّه بالطّبيعة كذلك . وأمّا إن قالوا : بأنّ اللّه بحكمته خلق الإنسان من هذه الأشياء فلا ننازعهم فيه . وأمّا الآيات فنقول : ما ذكرتم لا يخالف هذا ، لأنّ الهواء جعلتموه للاستقلال والنّار للنّضج ، فهما يكونان بعد امتزاج الماء بالتّراب ، فالأصل الموجود أولاهما لا غير ، فلذلك خصّهما ، ولأنّ المحسوس من العناصر في الغالب هو التّراب والماء ، ولا سيّما كونهما في الإنسان ظاهر لكلّ أحد ، فخصّ الظّاهر المحسوس بالذّكر . ( 25 : 107 ) نحوه النيسابوريّ ( 21 : 28 ) ملخّصا ، وأبو حيّان ( 7 : 166 ) ، ومحمّد علي طه ( 11 : 75 ) . الشّربينيّ : أَنْ خَلَقَكُمْ أي أصلكم ، وهو آدم عليه السّلام ، مِنْ تُرابٍ لم يكن له أصلا اتّصاف ما بحياة ، أو أنّه خلقكم من نطفة ، والنّطفة من الغذاء ، والغذاء إنّما يتولّد من الماء والتّراب . ( 3 : 162 ) البروسويّ : أَنْ خَلَقَكُمْ يا بني آدم في ضمن خلق آدم ، لأنّه خلقه منطويا على خلق ذرّيّاته انطواء إجماليّا ، والخلق عبارة عن تركيب الأجزاء وتسوية